أبي نعيم الأصبهاني

167

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

* حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال سمعت الجنيد بن محمد يقول حدثني أبو جعفر الخصاف قال قال لي جابر الرحبي يوما وأنا أماشيه : مر بنا نتسابق ، مر أنت هكذا حتى أمر أنا هكذا . قال : فمررت أنا على الجسر فلما أبعدت على الجسر التفت فإذا هو يمشى على الماء ينتضح من تحت قدميه مثل ما يخرج الغبار من تحت قدم الماشي . فلما التقينا قلت : من يحسن مثل هذا ؟ أمشى على الجسر وتمشى أنت على الماء . قال فقال لي : أوقد رأيتني ؟ قال قلت : نعم . قال : أنت رجل صالح . 552 - ومنهم المستأنس بالحق ، المستوحش من الخلق ، اسمه خفى ، وحاله علوي . * حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول ثنا عبيد البسرى . قال : سألت رجلا بالكام : ما الذي أجلسك في هذا الموضع ؟ قال : وما سؤالك عن شيء إن طلبته لم تدركه ، وإن لحقته لم تقع عليه ؟ قلت : تخبرني ما هو ؟ قال علمي بأن مجالسة اللّه تستغرق نعيم الجنان كلها . قلت : بم ؟ قال : أواه ، قد كنت أظن أن نفسي ظفرت ، ومن الخلق هربت ، فإذا أنا كذاب في مقامي ، لو كنت محبا للّه صادقا ما اطلع على أحد . فقلت : أما علمت أن المحبين خلفاء اللّه في أرضه ، مستأنسون بخلقه ، يبعثهم على طاعته . قال : فصاح بي صيحة وقال : يا مخدوع لو شممت رائحة الحب ، وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب ، ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت . ثم قال : يا سماء ويا أرض اشهدا على أنه ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط ، إن كنت صادقا فأمتنى . فو اللّه ما سمعت له كلاما بعدها ، وخفت أن يسبق إلى الظن من الناس في قتله فتركته ومضيت ، فبينا أنا على ذلك إذا أنا بجماعة فقالوا : ما فعل الفتى فكنيت عن ذلك . فقالوا : ارجع فان اللّه قد قبضه فصليت معهم عليه . فقلت ، لهم : من هذا الرجل ومن أنتم ؟ قالوا : ويحك ، هذا رجل به كان يمطر المطر ، قلبه على قلب إبراهيم الخليل عليه السلام ، أما رأيته يخبر عن نفسه أن ذكر الجنة والنار ما خطر على قلبه قط ؟